تخيل أنك قضيت أسابيع تحاول أن تتغير، بدأت تستيقظ في وقت أفضل، قللت شيئًا كنت تفرط فيه، بدأت تهتم بعملك، أو حاولت أن تصبح أهدأ مع نفسك، ثم جاء يوم واحد عدت فيه إلى عادتك القديمة، وتأخرت، وتكاسلت، وفعلت بالضبط الشيء الذي كنت تحاول أن تبتعد عنه. وفي آخر الليل تنظر إلى نفسك وكأن كل ما فعلته قبل ذلك لم يكن موجودًا أصلًا، وكأنك لم تتقدم خطوة واحدة. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، ليست في أنك تعثرت، بل في القصة التي أخبرتك بها عن هذا التعثر. لأنك غالبًا لا تقول لنفسك لقد أخطأت اليوم، بل تقول لقد عدت كما كنت، وهذه جملة تبدو بسيطة لكنها تمحو في لحظة كل المسافة التي قطعتها. الإنسان غريب في علاقته بالتغيير، يريد أن يرى نتيجة واضحة حتى يصدق أنه تغير، فإذا لم يجدها ظن أن شيئًا لم يحدث، مع أن معظم التغيرات المهمة لا تظهر بهذه السرعة. أنت لا تستيقظ في صباح معين وتجد أنك أصبحت شخصًا جديدًا، وإنما تتغير بطريقة أكثر إزعاجًا وأقل وضوحًا، تتقدم قليلًا، ثم تتراجع، ثم تفهم شيئًا لم تكن تفهمه، ثم تعود إلى العادة القديمة لكنك هذه المرة تراها بوضوح أكبر، ثم تحاول مرة أخرى. ولهذا فإن العودة إلى الخطأ ليست دائمًا عودة إلى نقطة البداية، فقد تفعل الشيء نفسه الذي فعلته قبل شهر، لكنك لم تعد الشخص نفسه الذي كان يفعله دون أن يراه مشكلة. هناك فرق كبير بين إنسان يسقط لأنه لم يتعلم بعد، وإنسان يسقط وهو يعرف لماذا سقط، وما الذي دفعه إليه، وما الذي ينبغي أن يغيره في المرة القادمة. الأول يكرر نفسه، أما الثاني فيتعلم حتى من سقوطه. وربما لهذا جاء التعبير القرآني بهذه الدقة، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فالمعيار ليس أن تحمل نفسك فوق طاقتها حتى تثبت أنك قوي، بل أن تعرف ما تستطيع حمله الآن، ثم تمشي به. نحن أحيانًا نعامل أنفسنا كأنها آلة تحتاج إلى إعادة تشغيل، فإذا تعطلت مرة رمينا كل ما فعلناه وبدأنا من الصفر، بينما الإنسان أقرب إلى بناء تتراكم فيه الطبقات، حتى الأخطاء تترك أثرًا، وحتى الأيام التي ظننت أنها ضاعت قد تكون قد علمتك شيئًا عن نفسك لم تكن ستعرفه بطريقة أخرى. تخيل شخصًا يحاول أن يترك عادة تؤذيه، ينجح عشرة أيام، ثم يعود إليها في اليوم الحادي عشر، فيقرر أن المحاولة كلها كانت وهمًا، فيستسلم. وشخصًا آخر يحدث له الشيء نفسه، لكنه في تلك الليلة يجلس ويحاول أن يفهم ما الذي حدث، فيكتشف أنه لم يكن ضعيفًا طوال اليوم، وإنما بدأ سقوطه عندما شعر بالوحدة، أو عندما تعب، أو عندما ترك يومه بلا ترتيب، أو عندما قال لنفسه سأفعلها مرة واحدة فقط. في المرة الأولى كان السقوط مجرد هزيمة، وفي الثانية أصبح معلومة. وهذه المعلومة قد تكون أهم من الأيام العشرة التي نجح فيها، لأنها أخبرته عن الباب الذي يدخل منه ضعفه. لذلك لا تجعل يومًا سيئًا محاميًا يرفع عليك قضية كاملة، ولا تجعل لحظة واحدة دليلًا على أنك لم تتغير. أنت لست مطالبًا بأن تنتصر في كل مرة، ولا بأن تصبح النسخة التي تتخيلها من نفسك دفعة واحدة، المطلوب أن تصبح قادرًا على رؤية نفسك بصدق، وأن تعرف متى أخطأت، ومتى تعبت، ومتى احتجت إلى التراجع قليلًا، ثم تعود دون المسرحية المعتادة التي تقول إن كل شيء انتهى. لأن أكثر ما يؤخر الإنسان ليس سقوطه، بل اعتقاده أن عليه أن يكون كاملًا حتى يسمح لنفسه بالمحاولة مرة أخرى. وفي النهاية قد تكتشف أن الطريق الذي ظننته دائرة لم يكن دائرة أصلًا، كنت تمر بالأماكن نفسها، نعم، لكنك لم تكن تعود إليها بالعين نفسها. وفي المرة القادمة التي تجد نفسك فيها واقفًا أمام العادة القديمة، أو الخطأ القديم، أو ذلك الشعور الذي ظننت أنك انتهيت منه، لا تنظر إلى الخلف وتسأل أين ذهبت كل محاولاتي، انظر إلى نفسك الآن، فقد تكون ما زلت واقفًا في المكان نفسه، لكنك أصبحت تعرف لماذا وقفت هناك، وهذه وحدها بداية مختلفة.
Discussion about this post
No posts

