تعال اجلس بجانبي قليلًا
أعرف أن في قلبك سؤالًا لم تقله بصوتٍ مرتفع، لكنه يتردد فيك كل مرة تنظر فيها إلى حياة غيرك: لماذا هو، ولماذا ليس أنا؟ لماذا وُلد فلان في بيتٍ دافئ، ووُلدتُ أنا في بيتٍ ضيق؟ لماذا مُنح فلان وجهًا جميلًا، وصوتًا حسنًا، وأبًا حاضرًا، وأنا لم أُمنح شيئًا من هذا؟
سأقول لك الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن نسمعها: العالم ليس عادلًا. ليس عادلًا بالمعنى الذي يخطر في بالك حين تقارن نفسك بغيرك. هذه حقيقة يجب أن تعرفها مبكرًا، لا لتحزن، بل لتتوقف عن انتظار عدلٍ من نوعٍ لم يُوعد به أصلًا. الدنيا مضمار، لا خط بداية واحد. فيه من يركض منذ الصغر وقدماه مبسوطتان، وفيه من يركض وفي رجله حجر. وفيه من لم يدخل المضمار أصلًا، لأن الحياة قصفته قبل أن يبدأ.
لسنا متساوين في الحظوظ
انظر حولك جيدًا، لا نظرة عابرة، بل نظرة متأنية، تفحص لا تُدين. سترى امرأة تملك جمالًا يلفت الأنظار، لكنها تعيش وحيدة الروح، لا أحد يعرف حقيقتها. وسترى من هو غير سعيد في زواجه، لكنه محسود على "استقراره". وسترى من هو أعزب، وحيدًا في الظاهر، لكنه أهدأ الناس قلبًا وأصفاهم نفسًا. هذه ليست مصادفة، بل هي طبيعة الابتلاء نفسه: الله يأخذ من الإنسان شيئًا، ويعطيه شيئًا آخر، لا ليظلمه، بل ليكشف ما في داخله من صبرٍ لم يكن يعرف أنه يملكه.
فلا تنخدع بواجهات الناس. كل إنسان يحمل صندوقًا مغلقًا من الألم لا تراه، تمامًا كما تحمل أنت صندوقك الذي لا يراه أحد.
الرضا ليس توقفًا
والآن، تعال نتحدث عن الشيء الذي كثيرًا ما يُخلط بغيره: الرضا.
هناك أشياء لم تخترها، ولن تستطيع تغييرها مهما فعلت: شكلك، لون بشرتك، عرقك، البيت الذي وُلدت فيه، الأبوين اللذين رزقك الله بهما، رزقك اليوم هذا بالتحديد. هذه الأشياء ليست مجال اختيار، وبالتالي هي مجال الرضا وحده. أن تتصالح معها ليس ضعفًا، بل هو أول علامات النضج. المقاومة هنا لا تُغيّر شيئًا، إنما تستهلك روحك في معركة خاسرة سلفًا.
لكن انتبه جيدًا، فهذا هو الفرق الذي أريدك أن تحفظه كما تحفظ اسمك: لا تُسمِّ الكسل رضا، ولا تُسمِّ العجز قناعة.
دراستك التي أهملتها، عملك الذي لم تُتقنه، نفسك التي لم تطوّرها، هذه كلها أمور بين يديك، لك فيها إرادة واختيار. أن تجلس وتقول "أنا راضٍ بحالي" بينما أنت قادر على السعي ولا تفعل، هذا ليس رضا، هذا خداع للنفس بثوب جميل. الرضا الحقيقي لا يقول لك "توقف"، بل يقول لك "اطمئن قلبك، واستمر في السعي". هو صفاء داخلي يرافق الحركة، لا بديل عنها.
أيام معدودة، وعالم نتائج
هذه الدنيا أيام معدودة، تُطوى سريعًا كما تُطوى الصفحة. وهي عالم نتائج، لا عالم وعود. لن يأتيك أحد ليقول لك "لأنك نويت خيرًا، سأمنحك ما تستحق دون عمل". أنت تُطالَب بأن تعمل، ثم تُطالَب بأن ترضى بما كتبه الله بعد ذلك العمل. لا قبله. الرضا يأتي بعد السعي، لا بديلًا عنه.
وتذكّر، حين تتعب، أن الأنبياء أنفسهم تعبوا. لم يكن طريقهم مفروشًا، ولم يُستجب لهم من أول محاولة دائمًا. لكنهم لم يستسلموا، بل عادوا وحاولوا مرة بعد مرة، بصبرٍ يُشبه العزم، حتى صاروا يُذكَرون بـ"أولي العزم". العزم هنا ليس أنهم لم يتعبوا، بل أنهم تعبوا ومع ذلك استمروا.
خاتمة: الألم ليس عبثًا
اسمعني جيدًا في هذا السطر الأخير.
الألم الذي تشعر به ليس عبثًا، وليس دليلًا على أنك منسي. هو جزء من تدبيرٍ أوسع من أن تراه بعينك الصغيرة الآن. والرضا الحقيقي، حين يستقر في قلبك، لن يقتل سعيك، بل سيطهّر قلبك من السخط الذي كان يستنزفك بلا فائدة. سيجعلك تسعى بقوة أكبر، لأنك لم تعد تسعى وأنت غاضب من العالم، بل تسعى وأنت مطمئن إليه.
فحين تفهم حكمة من أعطاك ما أعطاك ومنعك ما منعك، ستصبح أهدأ. ستصبح أقوى. وستصبح، قبل كل شيء، أكثر إنسانية.
وحينها فقط، سيهدأ ذلك السؤال في صدرك: لماذا ليس أنا؟ لأنك ستعرف أن "أنا" كانت دائمًا كافية، بما مُنحت وبما مُنعت، طالما سعيت ثم رضيت.
