تجلس معهم على الطاولة نفسها، يعلو الضحك حولك، ويتكلم أحدهم عن مشروع جديد، ويتباهى آخر بخطته للسنوات القادمة، ثم يصل الحديث إليك فيسألك أحدهم عن أحلامك، فتبتسم تلك الابتسامة الصغيرة التي لا تقول شيئًا، وترد بكلمات قصيرة حتى يغيّروا الموضوع. فيظنون أنك لا تريد شيئًا من الحياة، أو أنك كسول، أو أنك لم تكن يومًا من أولئك الذين يركضون خلف حلم، وهم لا يعرفون أن السؤال نفسه مرّ عليك في ليال كثيرة، وأنك لم تكن صامتًا لأنك لا تملك جوابًا، بل لأنك تملك إجابات كثيرة ماتت في حلقك قبل أن تصل إلى أحد.
والمؤلم أننا نحاكم الناس من آخر مشهد رأيناه منهم، نرى الهدوء فنحسبه رضًا، ونرى الانسحاب فنحسبه ضعفًا، ونرى شخصًا لا يدافع عن نفسه فنقول إنه لا يعرف قيمته، كأن الإنسان يولد بهذه الهيئة ولا يمر بشيء قبلها. لا أحد يرى النسخة التي كانت تستيقظ مبكرًا لأنها تؤمن بما ستفعله، ولا الرسائل التي كتبها ولم يرسلها، ولا المحاولات التي بدأها بحماس ثم عاد منها وهو يحمل في قلبه سؤالًا ثقيلًا، لماذا يحدث هذا معي كل مرة. نحن نرى الجدار، ولا نرى الضربات التي جعلت صاحبه يبنيه.
تخيل شخصًا كان يحتفظ بدفتر صغير في درج مكتبه، يكتب فيه خططه بعناية، يتخيل البيت الذي سيصل إليه، والعمل الذي سيحبه، والأشخاص الذين سيفخرون به يومًا. كان يفتح ذلك الدفتر كلما ضاق به الواقع، كأن الورق نافذة يطل منها على حياة أخرى. ثم خسر محاولة، ثم خذله شخص كان يثق به، ثم اكتشف أن الطريق الذي رآه واضحًا لم يكن واضحًا إلا في رأسه، ومع كل خيبة صار يفتح الدرج أقل، إلى أن أغلقه يومًا ولم يعد يقترب منه. هنا قد تراه بعد سنوات جالسًا بلا حماس، فتقول إنه إنسان بلا حلم، بينما الحقيقة أنه إنسان كان يحلم كثيرًا، ثم صار يخاف من الحلم لأنه يعرف كم يؤلم سقوطه.
ولهذا ليست كل برودة قسوة، وليست كل مسافة غرورًا، وليست كل حياة هادئة حياة فارغة. أحيانًا يكون الإنسان قد تعب من شرح جراحه لمن سيجيبونه بجملة سريعة، وقد تعب من البدء من جديد أمام من لا يفهم أن البداية بعد الانكسار ليست سهلة كما تبدو. هو لا يحتاج دائمًا إلى من يهزه ويقول له تحرك، فقد يكون قد تحرك طويلًا حتى أنهكته المسافة، ويحتاج بدل ذلك إلى من يراه دون أن يحوّله إلى قضية أو تشخيص، إلى من يقول له بهدوء، أعرف أن ما أراه ليس كل ما حدث لك.
وفي القرآن يأتي الوعد في قوله تعالى، فإن مع العسر يسرا، ولم يقل بعد العسر فقط، لأن اليسر قد يبدأ وهو مختبئ داخل العسر نفسه، في لحظة يظن فيها الإنسان أنه انتهى ثم يكتشف أنه ما زال قادرًا على النهوض، ولو ببطء. ليس المقصود أن الألم جميل، ولا أن كل خسارة ستتحول تلقائيًا إلى حكمة، فبعض الجراح تترك أثرها فعلًا، لكن الأثر ليس حكمًا نهائيًا على صاحبها. أنت لا تصبح أقل قيمة لأنك تعبت، ولا تصبح بلا مستقبل لأن صورة قديمة لك سقطت، وربما لم تكن تحتاج إلى أن تعود الشخص نفسه الذي كنت عليه، بل إلى أن تصنع شخصًا أصدق، يعرف حدوده ويعرف أن قلبه ليس آلة يجب أن تعمل بلا توقف.
لذلك، حين تجد نفسك على تلك الطاولة ولا تعرف ماذا تقول عن أحلامك، لا تتهم نفسك فورًا بأنك فارغ. ربما في داخلك حلم لم يجد بعد المكان الذي يأمن فيه، وربما ذلك الدفتر المغلق لم يكن قبرًا كما ظننت، بل بابًا تأخر فتحه. ليس كل ما انطفأ مات، فبعض الأشياء تنطفئ فقط لأنها تحتاج أن تُنقذ من الضوء الخطأ، ومن العيون التي لا تعرف الفرق بين إنسان انتهى، وإنسان يتعلم كيف يبدأ مرة أخرى.

