كم مرة وضعت هاتفك جانبًا وقلت لنفسك سأبدأ الآن، ثم وجدته في يدك بعد عشر دقائق وأنت لا تعرف أصلًا كيف عدت إليه. أنت تعرف أن النوم سيجعلك أفضل غدًا، ومع ذلك تؤجل النوم. تعرف أن المقارنة تفسد عليك يومك، ثم تدخل لترى ماذا يفعل شخص آخر. تعرف أن الأمر الذي تهرب منه لن يختفي، بل سيصبح أثقل، ومع ذلك تؤجله وكأن الوقت سيحل المشكلة نيابة عنك. والمضحك أنك في كل هذه المواقف لا تكون جاهلًا بما ينبغي فعله، أنت تعرفه جيدًا، وربما تعرفه قبل أن تفعل عكسه بثوان. إذن لماذا نفعل ذلك، ولماذا يبدو الإنسان أحيانًا كأنه شخصان يسكنان الجسد نفسه، أحدهما ينظر إلى الغد ويقول هذا ما يجب أن أفعله، والآخر لا يريد إلا أن يرتاح الآن.
تخيل أنك استيقظت صباحًا ولديك عمل مهم يجب أن تنهيه. في البداية تكون مقتنعًا أنك ستبدأ فورًا، ثم تقول سأشرب القهوة أولًا. وبعد القهوة تحتاج إلى قليل من الراحة، فتفتح هاتفك لدقائق. ثم يظهر مقطع آخر، وبعده آخر، وفجأة تنظر إلى الساعة فتكتشف أن نصف اليوم اختفى. في تلك اللحظة تبدأ محاكمة نفسك. تقول كيف فعلت هذا وأنا أعرف أن لدي شيئًا مهمًا. لكنك لو أعدت المشهد إلى بدايته، ستكتشف أن الشخص الذي قرر مشاهدة المقطع لم يكن يفكر في الساعات القادمة أصلًا. كان يريد فقط خمس دقائق من الراحة. وهذه هي الخدعة الصغيرة التي يقع فيها الإنسان كل يوم، نحن نعرف ما نريده على المدى البعيد، لكننا نعيش قرارات كثيرة على المدى القصير. العقل يستطيع أن يتخيل ألم الامتحان بعد أسبوع، لكنه في هذه اللحظة لا يشعر به. أما الراحة الموجودة أمامه الآن فهي حقيقية، ملموسة، ويمكن الوصول إليها بضغطة واحدة.
ولهذا قد لا تكون مشكلتك أنك لا تريد النجاح كما تظن، بل أنك تريد أشياء متعارضة في الوقت نفسه. تريد أن تتغير، لكنك تريد أيضًا أن تحتفظ بكل ما يجعل عدم التغير مريحًا. تريد جسدًا أفضل، لكنك لا تريد أن تتعب. تريد أن تتعلم، لكنك لا تريد أن تمر بمرحلة تكون فيها سيئًا قبل أن تصبح جيدًا. تريد علاقة صحية، لكنك قد تتعلق بالشخص الذي تعرف أنه لا يناسبك، لأن الفقد مؤلم الآن بينما الراحة التي سيمنحك إياها القرار الصحيح مؤجلة. وهنا تصبح كلمة الإرادة أحيانًا كسولة جدًا في تفسير الإنسان. نقول ضعيف الإرادة ونغادر، مع أن السؤال الأهم هو ماذا كنت تحاول أن تحصل عليه عندما فعلت الشيء الذي تعرف أنه لا ينفعك. ربما لم تكن تريد الهاتف، كنت تريد الهروب من الملل. وربما لم تكن تريد تأجيل العمل، كنت تريد الهروب من شعور العجز الذي يأتي عندما تبدأ ولا تعرف كيف ستنجح. وربما لم تكن تريد العودة إلى شخص يؤذيك، كنت تريد فقط ألا تشعر بالوحدة تلك الليلة.
وهنا يصبح فهم النفس أكثر فائدة من جلدها. لأنك حين تعرف الوظيفة التي يؤديها سلوكك، تستطيع أن تبحث عن طريقة أخرى تؤدي الوظيفة نفسها دون أن تدفع الثمن نفسه. الإنسان لا يتخلص بسهولة من عادة لأنها سيئة، بل عندما يجد شيئًا يستطيع أن يحصل به على ما كانت العادة تمنحه إياه بطريقة أقل كلفة. وهذا لا يعني أن كل شيء يمكن حله بحيلة بسيطة، ولا أن المسؤولية تختفي، بل يعني أن معرفتك بنفسك جزء من قدرتك على تغييرها. وقد قال الله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والآية هنا لا تبدو لي دعوة إلى انتظار نسخة مثالية منك، بل إلى مواجهة ما يحدث في الداخل بدل الاكتفاء بلوم الخارج.
والمفارقة أن الحرية التي نبحث عنها كثيرًا قد تظهر في لحظة صغيرة جدًا. ليست دائمًا قرارًا ضخمًا يغير حياتك، أحيانًا هي تلك الثواني بين أن تشعر بالرغبة وأن تستجيب لها. تفتح الهاتف، ثم تتوقف. تريد أن تؤجل، فتلاحظ أنك تبحث عن عذر. تريد أن ترسل الرسالة، فتسأل نفسك هل أريد فعلًا إرسالها أم أريد فقط أن يطمئنني رد الطرف الآخر. هذه المسافة الصغيرة لا تجعل منك إنسانًا خارقًا، لكنها تمنحك شيئًا أثمن، تمنحك فرصة أن تختار بدل أن تعمل تلقائيًا. وربما هذا هو الفرق الحقيقي بين أن تكون أسيرًا لعاداتك وأن تكون قادرًا على تغييرها، ليس أنك لم تعد تشتهي الشيء القديم، بل أنك لم تعد تعتبر كل رغبة أمرًا يجب تنفيذه.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأصعب هو ماذا تريد من حياتك، فأغلبنا يعرف بعض الإجابات. السؤال الأصعب هو أي نسخة منك ستدفع ثمن اختياراتك اليوم. أنت الذي يريد الراحة الآن، أم أنت الذي سيستيقظ غدًا ويتحمل نتيجة هذه الراحة. أنت الذي يريد أن يشعر بالأمان في هذه اللحظة، أم أنت الذي يريد حياة مختلفة بعد سنوات. وبين الاثنين تجلس أنت، في تلك المسافة الصغيرة التي لا يراها أحد، وتمسك هاتفك وتعرف تمامًا ماذا ستفعل. وربما للمرة الأولى لا تحتاج إلى أن تكون أقوى من نفسك، يكفي أن تتوقف لحظة وتسألها ماذا أحاول أن أهرب منه الآن. لأنك عندما تعرف الإجابة، يبدأ الشيء الغريب الذي كنا نظنه مستحيلًا، أن تعرف ما تريد، ثم تصبح قادرًا فعلًا على اختياره.

