تعال، اجلس معي مرة أخرى. أعرف أنك منذ قليل كنت تنظر إلى شاشة هاتفك، ترى صورة لأحدهم يضحك، يسافر، يحتفل، ويبدو أن حياته لا تعرف الألم. ثم نظرت إلى نفسك، إلى غرفتك، إلى يومك العادي المتعب، وسألت نفسك: لماذا حياتي هكذا، وحياته هكذا؟
دعني أخبرك بشيء يجب أن تحفظه جيدًا: أنت لا تقارن حياتك بحياته. أنت تقارن داخلك بـواجهته. تقارن قلقك الذي تعرفه تمامًا، بابتسامته التي لا تعرف عنها شيئًا. هذه ليست مقارنة عادلة، بل هي خدعة تصنعها لنفسك بيدك، ثم تتألم من نتيجتها.
كل إنسان يحمل صندوقه الخاص
اسمع مني هذا جيدًا: لا أحد يعيش الحياة التي تتخيلها له.
ذلك الذي يبدو سعيدًا في الصورة، ربما بكى في تلك الليلة نفسها بعد أن أغلق الكاميرا. وذلك الذي تحسده على ماله، ربما يفتقد إلى نومٍ هادئ لا يشتريه المال. وذلك الذي تحسده على زواجه، ربما يعيش في بيته وحدة أقسى من وحدتك أنت. كل إنسان يحمل صندوقًا مغلقًا لا يراه أحد، تمامًا كما تحمل أنت صندوقك الذي لا يعرفه أحد.
هذا ليس كلامًا لتتعزى به فقط، بل هو حقيقة: المقارنة تقارن غير المتشابهات. أنت تقارن حياتك كاملة، بلحظة واحدة من حياة غيرك. وهذا ظلم لنفسك قبل أن يكون ظلمًا لغيرك.
المقارنة لصّ الفرح
في يوم من الأيام، جلس رجل يشتكي من رزقه القليل، حتى مرّ بجانبه رجل بلا قدمين يبتسم وهو يبيع بضاعته البسيطة على الرصيف. توقف الرجل الأول، وخجل من نفسه، لا لأن حاله سيئة، بل لأنه كان يقيس نعمته بميزان غيره، لا بميزان حاله هو.
هذه هي المقارنة: لص يسرق فرحك وأنت لا تشعر. تدخل بيتك وأنت راضٍ، ثم تفتح هاتفك، فتخرج منه حزينًا دون أن يحدث في حياتك أي تغيير حقيقي. لم يُسرق منك شيء إلا شعورك بما تملك.
سباقك أنت، لا سباق الناس
في الحياة الواقعية، لا يوجد خط بداية واحد ولا خط نهاية واحد. كل إنسان في سباقه الخاص، بسرعته الخاصة، بعقباته الخاصة. فلماذا تُتعب نفسك بمقارنة سباقك بسباق غيرك، بينما المنافسة الحقيقية الوحيدة التي تستحق أن تخوضها هي بينك وبين نفسك بالأمس؟
اسأل نفسك كل يوم: هل أنا اليوم أفضل مني بالأمس؟ هل تعلمت شيئًا؟ هل صبرت أكثر؟ هل اقتربت من الله أكثر؟ هذا هو السباق الذي يهم، لا السباق الذي يعرضه الناس عليك دون أن يطلبوا منك المشاركة فيه.
حتى الأنبياء لم يقارنوا بلاءهم ببلاء غيرهم
تأمل في الأنبياء، عليهم السلام. كل واحد منهم اختُبر بابتلاء يخصه وحده. أيوب ابتُلي بالمرض والفقر، ويوسف ابتُلي بالسجن والغربة، ويعقوب ابتُلي بفراق ابنه وحزنٍ طويل. لم يقل أحد منهم: لماذا أنا وليس غيري؟ لم يقارنوا محنتهم بمحنة غيرهم، بل صبروا على ما خُصّوا به وحدهم، وكان صبرهم هو الذي رفعهم، لا شكواهم.
فإن كان الأنبياء أنفسهم لم يقارنوا ابتلاءهم ببلاء غيرهم، فمن نحن لنُتعب قلوبنا بمقارنة رزقنا برزق جارنا، وجمالنا بجمال صديقنا، وحظنا بحظ من نراه في الصورة؟
النصيحة
حين تشعر أن قلبك بدأ يقارن، توقف لحظة، وقل لنفسك: أنا لا أرى إلا الواجهة، ولا أعرف الحقيقة. ثم انظر إلى ما بين يديك أنت، لا إلى ما بين يدي غيرك. اشكر على القليل الذي تملكه، فقد يكون كثيرًا عند غيرك ممن حُرم منه. واعمل على تطوير سباقك أنت، لا على رصد سباقات الآخرين.
فالفرح الحقيقي لا يأتي من امتلاك ما يملكه الناس، بل من التصالح مع ما تملكه أنت، والاستمرار في السعي نحو الأفضل دون أن تلتفت يمينًا أو يسارًا.
خاتمة
في النهاية، تذكّر أن الحياة التي تراها في نافذة غيرك، ليست مرآة لحياتك، ولا مقياسًا لقيمتك. أنت لست في سباق مع أحد سوى نفسك. ومن فهم هذا، عاش أخف قلبًا، وأصفى نفسًا، وأكثر رضا بما قسمه الله له، لا لأنه توقف عن السعي، بل لأنه توقف عن قياس فرحه بميزان غيره.

