في داخل كل واحد فينا محقق صغير، مهمته أن يثبت الشيء الذي نحن مقتنعون به أصلا عن أنفسنا لو كنت مقتنعا أنك فاشل، فهذا المحقق لن يبحث عن الحقيقة سيبحث فقط عن دليل يؤكد ما تعتقده وإن لم يجد دليلا حقيقيا، فالأخطر أنه لن يتوقف عند هذا الحد ، سيخترع الدليل بنفسه العقل ليس حياديا كما نظن نحن نظن أن عقولنا تنظر إلى الواقع كما هو، وتحكم عليه بعدل لكن الحقيقة أقسى من هذا: العقل لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن التأكيد إن كنت مقتنعا أنك غير محبوب، فعينك ستلتقط كل نظرة عابرة وكل كلمة باردة، وستفسرها على أنها دليل وفي نفس اللحظة، ستمر من أمامك ابتسامة صادقة، أو كلمة حانية، ولن تراها أصلا، لأن عقلك لم يكن يبحث عنها هذا ليس ضعفا في الملاحظة هذا انحياز مبرمج فينا جميعا، يسمى "التحيز التأكيدي" ، نرى ما نريد أن نراه، ونعمى عما يناقضه حين لا يجد العقل دليلا، يخترعه والمشكلة الأعمق من هذا كله: أحيانا لا يجد عقلك دليلا حقيقيا يثبت خوفك فماذا يفعل؟ لا يعترف بأنه أخطأ بل يخترع دليلا من العدم تدخل غرفة فيها ثلاثة أشخاص صامتين، ويقول لك عقلك فورا: "كانوا يتكلمون عنك." لا دليل، لا واقعة، لا كلمة سمعتها فقط صمت، وعقلك حول هذا الصمت إلى حكم قاطع ضدك ترسل رسالة ولا يرد عليها أحد بسرعة، فيقول لك عقلك: "هو زعلان منك، أو مللك." ربما كان فقط نائما، أو مشغولا، لكن عقلك لم ينتظر التفسير الأبسط، اختار التفسير الذي يؤلمك أكثر، لأنه التفسير الذي يشبه ما تعتقده أصلا عن نفسك الحلقة التي تغلق على نفسها وهنا تبدأ الحلقة الخطيرة: أنت تعتقد شيئا سلبيا، فيبحث عقلك عن دليل، فيجده أو يخترعه، فيتأكد اعتقادك أكثر، فيبحث عقلك عن دليل جديد بحماس أكبر وهكذا تدور الدائرة، وأنت بداخلها، تظن أنك تكتشف حقيقة عن نفسك في كل مرة، بينما أنت فقط تسمع صدى صوتك وهو يتكرر الأخطر أن هذه الحلقة لا تشعرك بأنها سجن تشعرك بأنها "واقعية" تقول لنفسك: "أنا لست متشائما، أنا فقط أرى الأمور كما هي." وهذا بالضبط ما يجعلها حلقة صعبة الكسر: أنت مقتنع أنك خرجت منها، أنت مقتنع أن ما تراه هو الحقيقة، بينما هو فقط الفلتر الذي وضعته أنت بيدك على عينيك الخبر الجيد وسط كل هذا لكن إن كان عقلك قادرا على أن يخترع أدلة تدينك، فهو قادر بنفس القوة أن يخترع أدلة تنصفك، إن غيرت السؤال الذي تطرحه عليه كل صباح فبدل أن تسأل نفسك: "من الذي لا يحبني اليوم؟"، اسأل:
Discussion about this post
No posts

